السيد حيدر الآملي

401

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

يزالون مختلفين على هذه الصورة من غير اتّفاق بينهم من جميع الوجوه ، فإنّ ذلك ممكن . وهذا البحث يرجع إلى أنّ الحقائق بجعل الجاعل أم لا ؟ وقد سبق ذكره مرارا ، وسيجيء مرّة أخرى ، والحاصل أن الاختلاف في الوجود واقع أيضا . الاختلاف في العقائد وذلك تقدير العزيز العليم لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون ، وحيث كلامنا بحكم الآية كان في العقائد ، فنرجع ونقول : ( سبب اختلاف العقائد بين الناس ) اعلم ، أنّ النّاس كانوا في أوّل العهد على ملّة واحدة ولكنهم اختلفوا في آخر العهد بمخالطتهم لأهل الأهواء والإغواء لقوله تعالى : وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ [ سورة البقرة : 213 ] . وهذا تصريح بأنّ الاختلاف كان في البعض دون البعض وكان سبب اختلافهم بغيا بينهم أي إضلالا وإغواءا لبعضهم بعضا ، وإن ذلك البعض وقفوا على هذه الحالة والبعض الآخر منهم رجعوا عن حالهم إمّا بواسطة الكتاب النّازل عليهم ، أو الأنبياء والرّسل المبعوثين إليهم ، أو بغير واسطة ، كما أشار إليه جلّ ذكره في قوله : فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ سورة البقرة : 213 ] . وهذا الرّجوع دالّ على قوّة استعدادهم ، وبقاء نور فطرتهم أوّلا ، ثمّ إلى عناية اللّه تعالى بهم ، وكمال فضله ورحمته في حقّهم كما قال : إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [ سورة هود : 119 ] . وقال : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى [ سورة الأنبياء : 101 ] . وكأنّه تعالى عن الطائفتين المذكورتين أخبر في قوله :